إعلام و أوهام !
صالح الحمداني
وجود عباقرة وعلماء ومفكرين ومخترعين في
مجتمع معين، لا يعني أن هذا المجتمع عبقري. والشعب لا يكون عظيماً لمجرد أنه يعيش على
أرض تأسست فيها حضارات عظيمة قبل آلاف السنين!
أوهام التفوق والتميز، تجعل من المجتمع
والأفراد كسالى خاملين، وخاضعين لما تمليه عليهم الماكنات الاعلامية التي صيّرتهم هكذا.
*****
هيئة الاذاعة البريطانية أجرت دراسة قبل
سنوات لمعرفة مدى إرتباط الإنسان بالتلفزيون، اختارت 184 عائلة للمشاركة في الدراسة،
وأغرتهم بمبالغ مالية أسبوعية، مقابل التوقف لعام كامل عن مشاهدة التلفزيون!
بعد مرور أسابيع قليلة تملصت بعض العوائل
من الاتفاق، وعادت لمشاهدة التلفزيون، وبعد إنقضاء خمسة أشهر فقط كان ال 184 عائلة
قد إنسحبوا تماماً!
*****
في فترة الثلاثينات من القرن الماضي، وحيث
كانت وسيلة الاعلام الاكثر إنتشاراً هي الإذاعة، يوم لا كانت هناك قنوات تلفزيونية
فضائية، ولا مواقع إلكترونية، ولا وسائل تواصل إجتماعي، كتب جوي ألمر مورگان وهو أحد
مسؤولي الإذاعة الأمريكية آنذاك محذراً:
” إذا تركزت السيطرة على الإذاعة في أيدي
قلة من الناس، فلا يمكن لأي أمة أن تكون حرة” !
*****
الإعلام بكافة أشكاله له تأثير كبير على
تشكيل أفكارنا كمتلقين، ولأننا شعب لا يقرأ، فإن تأثير ما يبث لنا من أفكار في الفضائيات
مثلاً كبير جدا، بحيث يشكل لنا منظومة فكرية تجعلنا أسرى يمكن التحكم بنا بسهولة.
أزمة إستفتاء كردستان، ومن بعدها رحيل الزعيم
العراقي جلال طالباني، بينت ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال التلفزيون،
أن أفكار أغلب الناس شكلتها الفضائيات، أكثر مما شكلتها قراءة التاريخ المعاصر للعراق،
وخاصة القضية الكردية. لذلك كانت أغلب الافكار التي تطرح – سلباً أو إيجاباً – مبنية
على المعارك التلفزيونية أكثر منها على الحقائق التاريخية.
*****
الإرهاب الفكري يزداد يوم بعد يوم بالمجتمع
العراقي وبوسائل الاعلام وبوسائل التواصل الاجتماعي. وبتنا نلاحظ أن العديد من المعلقين
السياسيين والكتاب والمدونين يتجنبون طرح أفكارهم وآرائهم في بعض الأحداث الخلافية،
بسبب هذا الإرهاب الذي تقوده جهات سياسية من جهة، ومن جهة أخرى يقوده (غسيل الأدمغة)
الذي مورس ضد هذا الشعب من سنوات طويلة ولا زال يمارس، مع إختلاف الوسائل والمتبنيات!
حرية التعبير دفع من أجلها العراقيين ومنذ
تأسيس الدولة العراقية الحديثة ثمناً باهضاً، لذلك فليس من العدالة في شيء إهدار هذا
المكسب خوفاً وتجنباً لمغسولي الأدمغة ومن يقف خلفهم من سراق المال العام وممزقي وحدة
العراق.
في أمان الله
--------------
*الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي "كلمة"
*الآراء الواردة في المقال لا تعبر بالضرورة عن رأي "كلمة"

التعليقات على الموضوع